يوم التبادل اللبناني–السويسري

لبنان وسويسرا: تقاطع التعدديَّة والحريَّة وبناء الدولة

                  نظّمت مجموعة عمل “أكاديميَّات وأكاديميّون من أجل لبنان” يوم نقاش وتفكُّر لبناني-سويسري، بالشراكة مع الهيئة اللبنانيَّة للتاريخ، وبرعاية سفارة سويسرا لدى لبنان وسوريا، وبحضور سفيرتها السيّدة نيكول رودر، يوم الجمعة 25 أيلول 2026 في أوتيل برج أون باي في طبرجا.

                  بداية، كانت كلمة ترحيبيَّة من الدكتور أمين الياس ركّز فيها على تقدّم مسار “أكاديميَّات وأكاديميّون من أجل لبنان” منذ إطلاق المشروع سنة 2021، والإنجازات التي تمّ تحقيقها من حيث نشر النقاشات والخلاصات المشتركة حول الدولة والهوية والعيش معًا، وإطلاق موقع “معجم المفاهيم السياسيَّة”، وتنظيم عشرات الاجتماعات والندوات، وتنظيم مؤتمَرَين سنويَّين حول العيش المشترك، والدولة وسْط التحوّلات الجيوسياسيَّة في العالم. كما أنَّه أشار إلى أنَّ كلّ هذه الإنجازات ما كانت لتتمّ لولا الدعم المتواصل من قبل السفارة السويسريَّة.

                  ثمّ كانت كلمة سفيرة سويسرا، السيدة نيكول رودر، التي وصفت تاريخ بلادها بأنَّه تاريخ عدد من المجموعات المتنوّعة التي حاولت إيجاد التسوية فيما بينها لكي تحافظ على ذاتها ومصالحها إزاء القوى الأوروبيَّة الكبرى. وإذ شدّدت على أنَّ الهدف من التفكُّر اللبناني-السويسري ليس بيع النموذج السويسري إلى لبنان، بل إنّه محاولة مشتركة للتفكُّر معًا بحثًا عن بذور إجابات مشتركة لإشكاليَّات لبنان وسويسرا، إضافة إلى الإضاءة على أهميَّة دور الأكاديميّين في الشأن السياسي العام.

                  بعدها بدأ التبادل فيما بين أعضاء المجموعة وأستاذَتَي التاريخ في جامعة لوزان، دانيال توساتو-ريغو ونيللي فالسانجياكومو.

العيش معًا في سويسرا: فوضى أم إبداع سياسي؟

                  بداية كان النقاش حول العيش معًا في سويسرا وحول الأدوات التي استخدمها السويسريّون لتعزيز تجربتهم في العيش المشترك.

                  انطلق النقاش من عرض وشرح وجيزَين لواقع سويسرا المجتمعي واللغوي والإداري. إذ نجد في سويسرا أربع لغات (الفرنسيَّة، الألمانيَّة، الإيطاليَّة، والرومانشيَّة)، ودينَين كبيرَين (الكاثوليكيَّة والبروتستانتيَّة). غير أنَّ التعدديَّة اللغويَّة لا تتقاطع مع التعدديَّة الدينيَّة. إذ يمكن لنا أنْ نجد كانتونَين يتكلّمان اللغة نفسها، ولكنّ لكلّ منهما دين: واحد كاثوليكي وآخر بروتستنتي،. إنَّ درجة التعقيد والتركيب في سويسرا تدفع بالعديد من المراقبين الأجانب إلى وصف حالة سويسرا بالفوضى.

                  ما يُميّز سويسرا ككونفدراليَّة، أنَّها ذات امتداد طويل على المستوى السياسي والجغرافي، ذلك أنَّ شكل سويسرا الجغرافو-سياسي لم يتبدّل كثيرًا على مدى القرون. لكن ذلك لم يمنع السويسريّين من أنْ يكون لديهم تاريخ طويل من النزاعات والحروب، إذ أنّهم عرفوا ما بين القرنَين السادس عشر والتاسع عشر ستّ حروب أهليَّة، كان أوّلها حرب كابيل (La guerre de Kappel) سنة 1529، وآخرها حرب سوندربوند (Sonderbund) سنة 1847. اللافت في أمر هذه الحروب أنّها لم تكن تدوم لوقت طويل، فبعضها دام لأيام فقط، مثل الحرب الأخيرة المذكورة (ما بين 3 و29 تشرين الثاني 1847). كما أنّ هذه الحروب غالبًا ما كان يتخلّلها وساطة يقوم بها كانتون ثالث ما بين كانتونَين متنازعَين. أمَّا شروط فضّ النزاعات، التي كان يُطلق عليها حروب الأديان، فكانت تتراوح بين العفو عن المقاتلين، وتبادل الأسرى، ومنع الاستفزازات والإهانات المتبادلة، وإقامة النديَّة الطائفيَّة (لاسيّما في المناطق حيث هناك تواجد مشترك للدينَين) بما معناه أنَّ السيادة الممارسة داخل كانتون محدَّد كانت تتمّ بالتشارك بين أبناء هذَين الدينَين. من الأمثال على ذلك تقاسم دور العبادة بين الكاثوليك والبروتستانت، والاتفاق على منْع أيّ إهانة أو استفزاز من أبناء أحد الدينَين إزاء أبناء الدين الآخر.

                  الحرب الأهليَّة الأخيرة، حرب السوندربوند (1847)، أنتجت بعض الاتفاقات حيث استطاع السويسريّون الخروج من ذهنيَّة القرارات السياسيَّة ذات الطابع الديني والطائفي باتجاه بناء الدولة السويسريَّة الحديثة. وقد تزامن هذا الأمر مع منْع الرهبنة اليسوعيَّة، وتوحيد الجمارك، والنقد، والبريد، فيما تُركت صلاحيات إدارة المدارس والشؤون الكنسيَّة إلى الكانتونات. كما تمّ خَلْق مجلسَين تمثيليَّين: واحد هو المجلس الوطني لتمثيل الناس، وآخر مجلس الدول أو الكانتونات لتمثيل الكانتونات بشكل متساوي.

الكوفدراليَّة السويسريَّة بين الوساطة وفنّ التسوية

                  ما ساعد السويسريّين على هذا الاتّفاق الأخير هو أنّه أتى بعد سلسلة من البحث الحثيث، دام لأكثر من ثلاثة قرون، لاسيّما بعد القرن السادس عشر، للتوصّل إلى تسوية. هذا الأمر خلق “ثقافة وإرادة البحث عن اتّفاق وعن تسوية”. حتّى أنَّ الكانتونات القويَّة لم تعمد إلى فرض خياراتها على الكانتونات الأضعف أو الأصغر منها. أمَّا الأهمّ من هذا كلّه هو أنَّ الدولة السويسريَّة كانت تلعب الدور الأهمّ في بناء ثقافة التسوية والاتّفاق بين السويسريّين. هذه الثقافة، مُتلازمة مع الحياد السويسري إزاء القوى الأوروبيَّة الكبرى، وإعطاء الأولويَّة للمصالح المشتركة بين السويسريّين، كانت وراء خلْق هذا النموذج السويسري الفريد القائم على: ثقاقة التسوية، الحياد، والمصالح المشترك.

                  لكنّ هناك عاملًا أساسيًّا ساعد السويسريّين لكي ينجحوا في مسعاهم: إنَّه موقف القوى المحيطة بسويسرا ولاسيّما الإمبراطوريَّة الفرنسيَّة والإمبراطوريَّة الرومانيَّة-الجرمانيَّة المقدّسة حيث كان اتفاق بينهما لتحييد سويسرا عن صراعات الكبار في أوروبا. فقد ساهم هذان الجاران الكبيران في لُحمة سويسرا، وحتّى عندما كادت سويسرا أنْ تنفجر، جاء هؤلاء ليحافظوا على وحدتها وتماسكها.

1848: تاريخ نشأة الكونفدراليَّة السويسرية الحديثة

                  يُعتبر العام 1848 عام نشأة دولة سويسرا الحديثة، مع الحفاظ على استقلال ذاتي قوي للكانتونات التي تشكّل الكونفدراليَّة السويسريَّة. إنَّ هذه الدول-الكانتونات لا تحكم فقد أُمَم هذه الكانتونات، بل هي تساهم أيضًا في إنتاجها من جديد.

                  إذن، نحن نتكلَّم عن نماذج “أمَّة-كانتون-دولة” (عددها 26)، يُشكلّ اجتماعها مع بعضها الكونفدراليَّة السويسريَّة. أمَّا البُنية التحتيَّة للمشترك فيما بين هذه الكانتونات-الدول فتتألَّف من: 1) التشارك في السلطة، 2) التداخل  أو الترابط المتبادل (interdépendance) فيما بينها، 3) تشارك الثروات والمخاطر، 4) المجال أو الفضاء العام أو المشترك.

                  إنَّ الفدراليَّة السويسريَّة بما هي من شَكْل من أشكال التشارك في السلطة هي فدراليَّة اقليميَّة أو اتحاد إقليمي (fédéralisme territorial). إذًا هي ليست فدراليَّة لغويَّة أو طائفيَّة. أمَّا مسألة استقلاليَّة الكانتونات فلا تعني الانفصال أبدًا، بل هي شكل من المواءمة بين استقلاليَّة الكانتون والترابط المتبادل مع الكانتونات الأخرى.

                  النظام السياسي يقوم على مبدأ المشاركة في ما هو مشترك\عام (Participation au commun)، بمعنى أنَّه هناك مجلسًا وطنيًّا (Conseil national)، ومجلس الكانتونات\الدول (Conseil des Etats)، ودستورًا يفرض أنْ يكون هناك أكثريَّة مزدوجة في كلّ من المجلسَين. وفق هذه المعادلة، هناك شيء من التوازن بين الوطني والكانتوني، دون أنْ ينفي هذا الأمر مسألة الأغلبيَّة والأقليَّة. لكن الأغلبيَّة والأقليَّة ليستا مطلقتَين. فالأغلبيَّة في حال معيَّنة وحول مسألة معيَّنة يمكن لها أنْ تنقلب إلى أقليَّة في حال ومسألة معيَّنة أخرى. المشكلة في الديمقراطيَّة السويسريَّة ليست في نشوب انقسام معيّن حول مسألة معيَّنة، بل في الوضعيَّة حيث تتداخل وتتراكب خطوط الانقسام بين ديني ولغوي وكانتوني.

                  مسألة أخرى في غاية الأهميَّة تبرز أيضًا حين نتطرّق إلى مسألة الاستقلال الذاتي لكلّ كانتون، وهي مسألة مرتبطة بالموارد. فالاستقلاليَّة بكلّ بساطة تتطلَّب مواردًا لتستقيم من حيث الممارسة. من هنا استخدام معادلة توزيع الموارد الماليَّة (péréquation financière ) بشكل عادل بين الكانتونات بما يُقلّص الفوارق في القدرات فيما بينها. فمن دون هذه المعادلة الماليَّة ليس هناك من استقلاليَّة واقعيَّة للكانتونات. من ناحية ثانية، إنَّ تقاسم الموارد هذا يستتبعه تشارك في المخاطر أيضًا. فمثلًا، ضمان الشيخوخة هو أمر تمَّ إقرار تغطيته بشكل جماعي ووطني على مستوى كلّ الكونفدراليَّة السويسريَّة سنة 1948. فمسألة التداخل بين الأجيال في سويسرا تدخل في إطار التشارك في الموارد والمخاطر على السواء ضمن معادلة “جماعة إقليميَّة – عمل – فرد”.

في السرديَّة السويسريَّة

                  إذا كان النموذج السويسري يقوم في سرديَّته على “سويسرا متخيَّلة” (Suisse imaginée)، فإنَّ الـ”نحن” السويسريَّة هي بناء سياسي مقصود ومُراد. تبدأ السرديَّة المخياليَّة السويسريَّة سنة 1291 حين قامت ثلاثة كانتونات (Uri, de Schywz et de Nidwald) بالتوحّد للدفاع عن نفسها. يعتبرُ السويسريّون هذا الحدث بداية تاريخهم السياسي، على الرغم من أنَّ المؤرخين فيما بعد تأكَّدوا من أنَّه لم يكن فريدًا من نوعه ولم يكن يهدف إلى إنشاء دولة، بل إنَّه ببساطة تحالف ظرفيّ سبقه ولحقه العديد من التحالفات لغايات مرحليَّة. بكلام آخر، إنَّ الماضي المشترك بين السويسريّين لا يتمّ تناقله بشكل بديهي وبسيط، بل إنَّه مُركَّب: أي أنَّه مُختار ومُهَيْكَل. فالماضي السويسري يخضعُ لعمليَّة انتقاء وترتيب للأحداث والوقائع وفْق أولويَّات مُحدَّدة. أمَّا الهدف الأساسي لهذه العمليَّة فهو إعطاء معنى للمُشترك. فإذا كانت المؤسَّسات السويسريَّة تُنتج التداخل بين الكانتونات السويسريَّة، فإنَّ الماضي يُعطي هذا التداخل معناه.

الحياد السويسري: استقلاليَّة من دون انفصال

                  يُعبّر الحياد السويسري عن الإرادة المزدوجة عند الكانتونات السويسريَّة بأنْ تحافظ على استقلاليَّتها الدخليَّة من دون الانفصال عن بعضها البعض، ومن دون الانفصال حتَّى عن المحيط الأوروبي. فالحياد السويسري هو ثمرة التعدديَّة السويسريَّة وقناعة الكانتونات بأنَّ الحياد عن حروب القوى الأوروبيَّة الكبرى هو أمر تفرضه مصلحة الدولة العليا والحكمة السياسيَّة.

من ناحية أخرى، لا يعني الحياد السويسري غياب الخيار. فالحياد داخليًا وخارجيًا لا يلغي التداخل بين سويسرا وأوروبا ولا بين الكانتونات السويسريَّة، بل إنَّه يُنظمّه.

وعليه، يمكننا القول أنَّه، على المستوى الاقتصادي، لدينا اقتصاد سويسري عابر للكانتونات وذات طبيعة عالميَّة. أمَّا على مستوى القرار السياسي فلدينا توازن بين الوطني والكانتوني. في حين أنَّ مستوى تشارك الموارد والمخاطر يفرض نموذج ضمانات اجتماعيَّة على مستوى وطني. وأخيرًا، على مستوى المجال العام، لدينا المنصات العامَّة المواطنيَّة حيث يتشارك السويسريّون الفوائد والتحديَّات المتأتية من مواطنيّتهم.

كيف يتعامل السويسريّون مع ماضيهم؟

                  يندرج التعليم في سويسرا ضمن مسألة التوازن بين صلاحيَّات الكانتونات وصلاحيَّة الدولة الاتحاديَّة. السؤال الأساسي الذي يطرحه السويسريّون على أنفسهم هو: ماذا يجب أنْ يتعلّم الطلاب في المدرسة؟ هنا لدينا مستويَين. أوَّل هو على مستوى الكانتون، حيث لكلّ واحد منهم برامجه وكتبه المختلفة عن الكانتون الآخر. بالمقابل جرت العديد من المحاولات من أجل التقريب بين الكانتونات في هذا الخصوص.

فيما خصّ تعليم التاريخ بشكل خاصّ، تهتمُّ البرامج بتعريف المتعلّم على أحداث الماضي ودفعه للتفكير في التاريخ وفق مقاربة التقصّي. من هنا تدريبه على وضعيَّة التعامل مع المصادر والتأمّل والتفكّر بها والتعاطي مع تفسيرات متعدّدة للماضي قد تكون أحيانًا متعارضة فيما بينها، حتَّى ولو كانت تحترم مبادئ الموضوعيَّة. كما تدرّبه على تأطير الأحداث وتحقيبها على المدى القريب والوسيط والبعيد، وترتيبها وفق المستويات العالميَّة والوطنيَّة والكانتونيَّة.

كما يساعد برنامج تعليم التاريخ الطالب على حسن التمييز بين التاريخ والذاكرة، وعلى الانخراط في تفكُّر نقدي حول استخدامات الذاكرة. هنا أيضًا يمكننا التحدّث عن “التاريخ المتعدّد” من خلال تعريض الطالب لوجهات نظر متعدّدة، مع الأخذ بعين الاعتبار نقاط التلاقي والتمايز بينها، ومعاينة مختلف السرديَّات للأفرقاء المعنيّين بحدث معيّن، وفَهْم ديناميَّات العلاقة بين الأغلبيَّة والأقليَّة، بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم، والاطلاع أيضًا على التأويلات والتفسيرات المختلفة للمؤرّخين فيما خصّ حدث محدّد.

ماذا نقصد هنا بالتاريخ المتعدّد (Histoire plurielle)؟ إنّه التاريخ الذي تتقاطع فيه تاريخ الأديان والطوائف مع تاريخ المناطق وتاريخ التجمعات المحليَّة والتاريخ السويسري العام. لكن ما هو لافت للنظر، هو أنّ كلّ جيل في سويسرا لديه اهتماماته التاريخيَّة المنطلقة من واقعه. وهنا يمكننا أنْ نتكلّم عن شيء من “تاريخ وظيفي” يتمّ تعليمه للطلاب السويسريّين، أي تاريخ يخدم ويلبّي حاجاتهم في عصرهم.

أمَّا فيما خصّ التاريخ الحسّاس أو تاريخ النزاعات، فهناك جزء كبير منه مكرّس للاطلاع على تاريخ الوساطات والتسويات أيضًا. ومن هنا إنَّ تعليم التاريخ هنا وظيفته هي تخطّي النزاعات وليس الوقوف عليها فحسب.

بين التاريخ والأساطير المؤسّسة

                  إنّ تعاطي السويسريّين مع تاريخ عيدهم الوطني في الأول من آب (1291) يدلّنا على كيفيَّة تعاملهم مع ذاكرتهم التي تحمل الكثير من الأساطير والتاريخ على السواء. فكما ذكرنا آنفًا، إنَّ تاريخ الأوَّل من آب يستذكر تحالف الكانتونات الثلاثة بهدف الدفاع المشترك عن نفسها. وكما ذكرنا أيضًا أنَّ المؤرّخين بيَّنوا كيف أنَّ هذا التاريخ ليس بمهمّ من ناحية دلالته التاريخيَّة لأنَّه يحمل في طيَّاته حدثًا غير فريد من نوعه، يضاف إلى هذا الأمر أنَّ هذا الحدث لم يكن يهدف إلى إقامة دولة موحَّدة بين هذه الكانتونات الثلاث.

لكن حين استعاد السويسريّون هذا التاريخ وتفكّروا به، قرّروا الإبقاء عليه، ليس لمشروعيَّته التاريخيَّة، وإنَّما لأنَّهم يريدون، وبشكل إرادي وعقلاني، أنْ يُحافظوا على ذاكرة مُحمَّلة بأساطير مؤسّسة تعطي دولتهم المعنى.

ما هو دور الأكاديميّين في المجال والشأن العامَين؟

                  إذا كان الأكاديمي لا يمكنه أنْ يُقدّم دائمًا إجابات عن كلّ شيء، إلّا أنَّ أهميَّة دوره تكمن في أنَّه يساعد أقلّه على تفكيك المشكلات وتحليلها، واضعًا السرديَّات الجماعاتيَّة في موضع السؤال ومتحدّيًا إيَّاها. وهو يفعل ذلك من خلال العمل على المصادر، ومساءلة البديهيَّات.

أمَّا من ناحية المؤسَّسة الجامعيَّة، فإنَّها تطوّر منصّات من أجل إعادة الوصْل بين العمل البحثي الأكاديمي وحاجات المجتمع السويسري. هنا التحدّي الكبير في فتْح الإنتاج المعرفي على الجمهور الكبير مع المحافظة على المطلّبات الصارمة للبحث العلمي. يُضاف إلى ذلك أهميَّة المحافظة على المساحة النقديَّة في هذه الأعمال البحثيَّة.

هنا تبرز مسألة تعزيز الأكاديميا لبناء المواطن. وكان الاتفاق في سويسرا على رؤية مشتركة لهذا المواطن تقوم على المعادلة الآتية: يجب بناء المواطن الذي يهتمّ بحاجات مجتمعه، ويكون في الوقت عينه مُتفهّمًا لخصوصيَّات مجتمعه الكانتوني ومجتمعه الوطني السويسري.

لبنان وسويسرا ينتميان إلى عوالم مختلفة؟

                  لا يختلف إثنان، عند النظر إلى بعض الجوانب من الحياة السويسريَّة السياسيَّة والمجتمعيَّة والتاريخيَّة والثقافيَّة والأكاديميَّة والتربويَّة، أنّ هناك الكثير من نقاط التشابه بين الكونفدراليَّة السويسريَّة والجمهوريَّة اللبنانيَّة. فحين شَبَّه لامارتين أواسط القرن التاسع تلال وهضاب ووديان وبحيرات لبنان بسويسرا كان يقصد بالتشبيه البُعدَين الجغرافي-الجيولوجي والطبيعي. لكنّ النظرة المقارنة للبلدَين تُظهر وجود نقاط شبه أوسع من مثل تعدديَّة البُنية المجتمعيَّة التعدّديَّة والوضعيَّة الجغرافيَّة ومستتبعاتها الجيوسياسيَّة.

لكنّ المقارنة الموضوعيَّة تُظهر أيضًا أنَّ نقاط التمايز ليست بقليلة. فهناك بداية البُعد الجيوسياسي الذي يحيط بلبنان وهو أكثر قساوة وعداوة للبنان من حال الواقع الأوروبي إزاء سويسرا. فحين كانت القوى المحيطة بسويسرا تُمثّل عنصرًا مساهمًا في تثبيت وحدة سويسرا، كانت القوى المحيطة القريبة والبعيدة للبنان تعمل على تفكيكه وتحويله إلى ساحة صراع وذلك من خلال الضرب المنهجي للدولة اللبنانيَّة ولمؤسساتها.

عامل تمايز لافت آخر هو الحالة الفكريَّة والثقافية والعقلية العملانيَّة والعقلانيَّة التي حكمت النزاعات السويسريَّة وحوّلتها إلى نقاط تلاق. في حين أنَّ العقلية العامَّة في لبنان ومحيطه لم تصل إلى هذه الدرجة من النضج العقلاني لتحوّل السلبيَّات إلى إيجابيَّات، وتتخطّى النزاع إلى التسوية الدائمة على أساس الندية والتشارك في السلطة تحت لواء الهويَّة اللبنانية الجامعة.

عامل ثالث أكثر تعقيدًا يظهر هنا هو كثرة الجماعات الدينيَّة في لبنان مقارنة بسويسرا. فهناك لديهم دينَين كبيرَين، الكاثوليكيَّة والبروتستانتيَّة، وكلاهما يندرجان تحت مظلة المسيحيَّة. في حين أنَّ لبنان يتقاسمه دينَين كبيرَين هما المسيحيَّة والإسلام، وضمن كلاهما لدينا عدد كبير من الجماعات المتمايزة وأحيانًا المتنازعة داخل الدين الواحد. أضف إليها عقليَّة سياسيَّة ومجتمعيَّة لا تزال تحت هيمنة منظومة فكريَّة ومعرفيَّة قرن-وسطويَّة غير قادرة على ولوج مفاهيم الحداثة وبناء منظومة سياسيَّة جامعة على أسُس الدولة وسيادة الشعب والحريات العامَّة والخاصَّة والمساواة والقوانين الوضعية والمواطنة والتنوّع. فنحن لا نزال نخضع لأدبيَّات الأمَّة الدينيَّة الأحاديَّة، والدولة الدينيَّة، ورفض المساواة، وأولويَّة الشرائع الدينيَّة، والعصبيَّة العشائريَّة والطائفيَّة، والتمييز بين الناس على أساس الانتماء الديني والعائلي والمناطقي.

طبعًا يُضاف إلى هذه العوامل تلك الاقتصاديَّة، وتلك المرتبطة بدور لبنان في محيطه وفي العالم.

بكلّ الأحوال، تبقى المقارنة بين لبنان وسويسرا جديرة بالاهتمام الدائم لا سيّما لتداخل عوامل التقارب والتمايز. وربّما هذا الأمر قد يكون مفيدًا لكلي البلدَين من أجل فهْم حال ودور ورسالة كلّ منهما.

أمين الياس

المستشار التاريخي لمجموعة عمل “أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان”