إطلاق “معجم المفاهيم السياسية” من قبل مجموعة عمل “أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان” بالشراكة مع الهيئة اللبنانية للتاريخ، وبدعم من سفارة سويسرا لدى لبنان وسوريا

أطلقت مجموعة عمل “أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان” بالشراكة مع الهيئة اللبنانية للتاريخ، وبدعم من سفارة سويسرا لدى لبنان وسوريا، “معجم المفاهيم السياسية”، وهو معجم يوثّق ويعرّف المصطلحات السياسية والاجتماعية بدقة ووضوح، انطلاقًا من كون اللغة ثقافة كاملة وصانعة للتصورات الاجتماعية والسياسية.

يهدف المعجم إلى أن يكون مرجعًا علميًا وأكاديميًا للباحثين وصنّاع القرار وطلاب الجامعات والمهتمين بالشأن العام وللرأي العام، بما يسهم في ضبط الخطاب السياسي في لبنان، وتجنيبهم إشكالية غموض المعنى، وما قد ينتج عنها من خلافات باتت مألوفة في المجتمع اللبناني. يقدّم المعجم مقاربة نقدية لما يُتعامل معه بوصفه من المسلّمات في الخطاب السياسي، ويساهم في بناء ثقافة سياسية واعية بعيدة عن الشعبوية على مستوى النخب والمواطنين على حدّ سواء.

ضمّت المجموعة الأولى من المداخل في المعجم نحو ثلاثين مفهومًا، دُرست وفق بعدين متكاملين، نظري وعملي، بحيث لا تقتصر المعالجة على تعريف مختصر للمصطلح، بل تشمل مختلف طبقات استخدامه ودلالاته وسياقاته والتحولات التي طرأت عليه، مع تدعيم كل مدخل بالمراجع العلمية والببليوغرافيا.

بالمناسبة، أقيم لقاء لإطلاق المعجم في سينما ميتروبولس، حضره وجوه سياسية وأكاديميين وباحثين وغيرهم من المهتمّين، يوم الثلثاء 15 أيلول 2026.

افتتح اللقاء الأب الدكتور باسم الراعي عرض خلالها لكيفية انطلاق العمل على المعجم عام 2023، بعدما خلصت مجموعة العمل إلى أن جانبًا أساسيًا من الإشكالية السياسية في لبنان يرتبط بالاستخدام الاستنسابي للمفاهيم السياسية وغياب الضبط العلمي والدلالي لها. وأشار إلى أنّ فكرة المعجم استندت إلى دافعين رئيسيين: الأول أن الكلمات ليست وسيلة محايدة لنقل الأفكار، بل عنصر أساسي من عناصر الثقافة وحاملة لها، تسهم في تشكيل تصورات الأفراد الاجتماعية والسياسية؛ والثاني غياب معجم للغة العربية على غرار “معجم الأكاديمية الفرنسية”.

بعد تعريف مفصّل عن كيفية استخدام المعجم الالكتروني  www.politicallexicon.com ومضمونه، أدار المشرف على المعجم الدكتور أمين الياس ندوة حوارية حول أهمية إطلاق معجم يُعنى بالمفاهيم السياسية اليوم، وعن أهمية أن يكون للأكاديميا كلمتها في الشأن العام في لبنان وعن خطورة انفصالها عنه، مع العميد الدكتور جورج شرف والدكتور سيمون كشر. وتخلل النقاش اقتراحات لكي يصل المعجم لأكبر عدد ممكن من المعنيين. كما تطرق النقاش إلى مدى استعداد الجمهور اللبناني اليوم للتفاعل إيجاباً مع هذا المعجم.

وتخلل اللقاء جلسة تفاعلية بين الحاضرين يسّره كل من الأستاذتين نايلة حمادة وجيهان فرنسيس حول مفاهيم أساسية يعالجها المعجم، أبرزها المجتمع المدني، الدولة العلمانة والدولة المدنية.

 

 

كلمة الأب الدكتور باسم الراعي الافتتاحية

سئل كونفوشيوس يوما: “إذا عهد إليك بالحكم، فما أول شيء تبدأ به؟” فأجاب: “لا بد من أن أصحح الأسماء”.

ولعل المعنى المقصود من هذه العبارة يتجاوز التصحيح اللغوي المباشر للأسماء إلى ما هو أعمق منه، أي إلى ضبط المفاهيم التي تتداولها الجماعة السياسية، وتحديد معانيها وحدودها، بحيث يصبح الناس قادرين على أن يفهموا ما يقولونه، وما يختلفون حوله، وعلى أي أساس يقوم هذا الاختلاف. ذلك أن اضطراب المفاهيم لا يلبث أن ينعكس اضطرابا في التفكير، وفي الحكم، وفي الممارسة السياسية.

من هنا انطلقت، عام 2023، ورشة العمل على هذا المعجم المخصص للمفاهيم السياسية. فبعد مداولات ونقاشات عديدة، خلصت المجموعة إلى أن جانبا أساسيا من الإشكالية السياسية في لبنان يرتبط بالاستخدام الاستنسابي للمفاهيم السياسية، وبغياب الضبط العلمي والدلالي لها.

وعلى هذا الأساس، برزت الحاجة إلى وضع معجم خاص بالمفاهيم السياسية، انطلاقا من اعتبار اللغة، كما ورد في الورقة التأسيسية للعمل على المعجم، “عنصرا من عناصر الثقافة بحسب المعنى الأنثروبولوجي للكلمة، وهي في الوقت عينه حاملة لها. من هنا يمكن أن تكون الكلمات أداة تقارب أو تباعد وفقا لاستعمالها. فالأهمية المعطاة للكلمات تنبع من دورها في خلق تصورات الفرد الاجتماعية عامة والسياسية خاصة. هذا الدور الممنوح للكلمات شكل الدافع الأول وراء وضع هذا المعجم. ويرتكز الدافع الثاني على غياب معجم للغة العربية شبيه بـ«معجم الأكاديمية الفرنسية» الذي يضم النخب المثقفة. إذ تعمل هذه النخب على تطوير اللغة ووضع تعريفات علمية وواضحة للكلمات والمفاهيم والمصطلحات التي تدخل اللغة الفرنسية. هذه التعريفات تجنب الباحثين ورجال السياسة إشكالية غموض المعنى، وما يمكن أن ينتج عنه من خلافات قد تؤدي إلى اختلافات في الرأي ونزاعات تصل إلى حد الصدام، كالتي يظهرها أفراد المجتمع اللبناني عند كل مناسبة”.

وبما أن اللغة ليست مجرد وسيلة محايدة لنقل الأفكار، بل هي جزء من الثقافة ووسيط أساسي في إنتاجها وإعادة إنتاجها، حددت للمعجم مجموعة من الأهداف، في مقدمتها:

  1. “أن يخدم المسار السياسي لمجموعة “أكاديميات وأكاديميون من أجل لبنان”،
  2. أن يكون مرجعا علميا وأكاديميا للباحثين والمهتمين بالشأن العام، وللرأي العام، بما يسهم في ضبط الخطاب السياسي في لبنان، ويحفز الناشطين السياسيين على مزيد من العناية بالمفاهيم التي يقوم عليها خطابهم السياسي.
  3. أن يقدم مقاربة نقدية لما يتعامل معه بوصفه من البديهيات والمسلمات في الخطاب السياسي، وأن يفتح المجال لمراجعته في ضوء البحث العلمي والتحليل النقدي.
  4. أن يسهم في الارتقاء بالثقافة السياسية وبمستوى النقاش السياسي نحو مقاربات أكثر علمية ونقدية، وأن يكون وسيلة لتطوير الخطاب المجتمعي والسياسي في لبنان.
  5. أن يساهم في بناء ثقافة سياسية واعية، بعيدة عن الشعبوية، على مستوى النخب والمواطنين على السواء”

على هذا الأساس، انطلق العمل الفعلي على المعجم. فاختيرت مجموعة أولى من المفاهيم قاربت الأربعين مفهوما، وزعت على عدد من الأكاديميين للعمل على تحديدها ودراستها وفق بعدين متكاملين: بعد نظري وبعد عملي. ولم يكن الهدف تقديم تعريف مختصر للمصطلح فحسب، بل أن تشمل المعالجة “مختلف طبقات استخدام المصطلح”، بما يسمح بالكشف عن دلالاته، وسياقات استعماله، والتحولات التي طرأت عليه، مع تدعيم كل مدخل بالمراجع العلمية والببليوغرافيا التي تدرج في نهاية كل معالجة.

ولهذه الغاية أيضا، شكلت لجنة أكاديمية تتولى متابعة العمل والحرص على حسن سيره من الناحيتين العلمية والمنهجية، بالتعاون مع مجموعة دعم لوجستي وفني تتولى العمل على إخراج المادة في صورة قابلة للنشر والاستعمال.

وتقرر، في السياق نفسه، أن يكون المعجم إلكترونيا، بحيث يكون متاحا لأوسع شريحة ممكنة من المستفيدين: للسياسيين، والمواطنين، والباحثين، وطلاب الجامعات. ولهذه الغاية أعدت صفحة إلكترونية، روعي في تصميمها تيسير الوصول إلى المواد، وتنظيمها بصورة واضحة ومبوبة، بما يجعل استخدامها سهلا وعمليا.

وهنا أود أن ألفت البال إلى مسألة تستحق التوقف عندها تتعلق بتسمية الموقع الإلكتروني: Political Lexicon. فاختيار كلمة Lexicon ليس تفصيلا لغويا عابرا، بل يحمل دلالة على طبيعة المشروع والغاية التي يتوخاها. ذلك أن العمل الذي نحن بصدده لا يراد له أن يكون مجرد قاموس يقدم تعريفات مختصرة للمفردات السياسية، بل هو مشروع معرفي يتجاوز تحديد اللفظ إلى تأصيل المفهوم، وبيان سياقه، وتطوره، وتحولاته، واستعمالاته. فمن الناحية الاصطلاحية، لا يظهر في العربية، في الاستعمال العام، تمييز حاد بين “المعجم” و”الليكسيكون” يماثل ما نجده في بعض اللغات الأجنبية. ففي الاستخدام المعجمي التقليدي، ينصرف Dictionary أساسا إلى بيان معاني الكلمات، وضبط استعمالاتها وخصائصها اللغوية. فعندما نبحث، مثلا، عن كلمة «ديمقراطية»، نجد في المعجم نوع الكلمة، وتعريفها، ومعناها اللغوي أو الاصطلاحي. أما Lexicon، ولا سيما حين يستخدم في سياق تخصصي، فيحيل إلى نطاق معرفي أوسع؛ إذ يتجاوز تعريف اللفظ إلى شرح المفهوم الذي يحمله، وبيان سياقاته وخلفياته وتطوره، وصلاته بالمفاهيم والنظريات والشخصيات والوقائع المرتبطة به. فإذا كان المدخل المعجمي التقليدي يكتفي، مثلا، بتعريف «الديمقراطية» بوصفها نظاما سياسيا أو شكلا من أشكال الحكم، فإن معالجة المفهوم في ليكسيكون المفاهيم السياسية تقتضي الذهاب أبعد من ذلك: إلى نشأة الديمقراطية وتطورها التاريخي، ومبادئها وأشكالها، والمدارس والنظريات التي تناولتها، والتحولات التي طرأت على مفهومها، واختلاف دلالاتها باختلاف السياقات التاريخية والسياسية التي استخدمت فيها.

من هذه الزاوية، فإن طبيعة العمل الذي نحن بصدده تبدو أقرب إلى ما يعرف في الألمانية بـ Fachlexikon، أي «المعجم التخصصي»، لكن بطريقة مقتضبة. وهذا النوع من المعاجم لا يقتصر على شرح الألفاظ، وإنما يعالج المصطلحات والمفاهيم والنظريات والشخصيات والمناهج والوقائع الأساسية التي تدخل في نطاق تخصص معين، ويضعها في سياقها العلمي والتاريخي، بما يتيح للقارئ أن يفهمها لا من حيث معناها المجرد فحسب، بل من حيث تاريخها، ووظيفتها، وعلاقاتها داخل الحقل المعرفي الذي تنتمي إليه.

وهنا نصل إلى إشكالية منهجية أساسية في البحث العلمي عندنا. إنها إشكالية تحديد المفاهيم والمصطلحات وتأصيلها. فغالبا ما نرى، مثلا، في الأطاريح الجامعية ميلا إلى الرجوع إلى المعاجم لتحديد معنى المصطلح، وكأن التعريف المعجمي، بمجرد ثباته اللغوي، يكفي للإحاطة بالمفهوم في نشأته وتطوره وتحولاته ودلالاته. غير أن هذا الاكتفاء ينطوي على اختزال منهجي. فلا يمكن اختزال المفهوم في تعريف ثابت ومغلق؛ لأن دلالته لا تتحدد في المعجم وحده، بل تتشكل داخل حقل مفهومي تتفاعل فيه مجموعة من المفاهيم، وتتأثر بالسياقات التاريخية والفكرية والحضارية التي نشأ فيها المفهوم وتطور من خلالها. ومن ثم، فإن المصطلح لا يفهم فهما علميا بمجرد الوقوف على معناه اللغوي أو المعجمي، بل يقتضي رده إلى سياقه التاريخي والفكري، وتتبع الكيفية التي انتقل بها من استعمال إلى آخر، وما طرأ على دلالته من توسع أو تضييق أو تحول. فالمفهوم ليس لفظا محايدا ومستقلا عن التاريخ، بل هو حصيلة تراكم دلالي يعكس، في جانب منه، التحولات التي شهدها المجتمع والفكر والممارسة السياسية. ولذلك، لا يمكن النظر إلى المعجم بوصفه محايدا بصورة مطلقة، حتى عندما يلتزم قواعد الضبط والموضوعية العلمية؛ إذ يظل، في نهاية المطاف، نتاجا لسياق لغوي وحضاري وتاريخي محدد، ويعكس جانبا من هذا السياق في طريقة ترتيب المعاني وتحديدها وتثبيتها.

من هنا تبرز ضرورة التأصيل التاريخي للمفاهيم بوصفه شرطا من شروط سلامة البحث العلمي، لا مجرد إضافة توثيقية أو ترف منهجي. فالدراسة التاريخية للمصطلح تتيح للباحث تتبع نشأته ومسارات تطوره، والكشف عن التحولات التي طرأت على دلالته، وفهم الأسباب التاريخية والفكرية التي أسهمت في إعادة تشكيل معناه. كما تكشف أن المفاهيم تكتسب دلالاتها من خلال احتكاكها بالتجارب والصراعات والتحولات التي عرفتها المجتمعات، ومن خلال دخولها في الخطابات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي أعادت إنتاجها وتوظيفها. وعليه، فإن المفاهيم ليست مجرد ألفاظ تحيل إلى معان محددة، بل هي أيضا حوامل لتجارب تاريخية، ورؤى إلى العالم، وتصورات للإنسان والمجتمع والسياسة. بهذا المعنى، لا يكون تحديد المفهوم مجرد نقطة بداية للبحث، بل يصبح جزءا من البحث نفسه. ففهم تاريخ المفهوم وتحولاته شرط لفهم وظيفته ودلالته في السياق الذي يستخدم فيه.

وهنا تبرز أهمية المحاولة التي يقوم بها هذا المعجم. فهو، في الوقت الذي يعمل فيه على التأصيل المفهومي، لم يغفل سياقات استعمال المفاهيم، وخصوصا السياق اللبناني. وهذه، في رأيي، إحدى أهم نقاط قوته. فالمشروع لا يستورد المفاهيم جاهزة، ولا يكتفي بنقلها كما وردت في مصادرها الأصلية ثم استخدامها بمنطوقاتها ومحمولاتها كما هي، بل يحاول أن يدخل الواقع اللبناني نفسه في معترك العمل المفهومي. وهذا أمر ينقصنا إلى حد كبير. فنحن كثيرا ما نستعمل مفاهيم نشأت في سياقات تاريخية وفكرية وسياسية مختلفة، ثم ننقلها إلى سياقنا اللبناني ونفترض أن معناها بقي كما هو، وأن بإمكان المفهوم أن ينتقل من مجتمع إلى آخر من دون أن يتأثر بالسياق الذي يدخل إليه. وهنا يحضرني قول كارل بوبر إن المفاهيم أشبه بشبكة نلقيها على الواقع؛ فنحن لا نرى الواقع كما هو في فراغ مفهومي، بل نراه من خلال المفاهيم التي نمتلكها، وبها نرتب خبرتنا، ونفسر الأحداث، ونسمي الأشياء، ونبني أحكامنا ومواقفنا.

لذلك، فإن هذا المعجم ليس مجرد مجموعة من التعريفات، ولا مجرد أداة للباحثين، بل هو، في عمقه، محاولة للمساهمة في إعادة بناء لغة سياسية لبنانية أكثر دقة ووعيا ونقدية. هل يوفق تماما في بلوغ مبتغاه؟ أعتقد أن هذا الأمر يقرره الوقت ورأي المتعاملين معه.