حتّى الأشقّاء ليسوا أكثر رحمة من الأعداء حين يتعلّق الأمر بالسجون والمعتقلات.

ربّما هذه هي خلاصة اللقاء الذي جرى يوم الأربعاء 5 آب في بيروت، بتنظيم من الهيئة اللبنانية للتاريخ ومجموعة عمل “أكاديميَّات وأكاديميون من أجل لبنان”، مع كلّ من الأستاذ علي أبو دهن، الذي حدّثنا عن تجربته في السجون السوريَّة، لاسيّما في تدمر، وهي التجربة التي تركها لنا في كتابه “عائد من جهنّم”، والدكتور نديم نجدي كاتب رواية “يوم أشرقت الشمس من الغرب” حيث عبّر عن تجربة الاعتقال الخاصَّة به في السجون الاسرائيليَّة.
في الاعتقال، أوَّل ما يسلبونك إيَّاه هو ذاتك، شخصك.

داخله أنت لاشيء. لا إرادة لك. لا صوت لك. يُمنع عنك النظر. ويُمنع عنك الكلام. فرصتك الوحيدة للتواصل هي “الوَشْوَشَة”.
في الداخل، تعود بلا اسم. انت رقم فقط. تُنزع عنك كلّ صفة إنسانيَّة. أنت بالكامل تحت رحمة سجّانك، أو جلّادك. ربّما ما يختلف هو أنَّ في بعض المعتقلات “الداخل مفقود، والخارج مولود”، وفي أخرى “عليك أنْ تلتزم بالنظام، الأمر الذي ربّما يضمن لك الخروج سالمًا”.
في المعتقل، يُصبح الخوف هو السيّد. هو من يوجّه تصرّفاتك. التدريب الوحيد الذي تتلقّاه هنا هو كيف تتجنّب غضب سجّانك؛ هو كيف تذلّ نفسك حتّى لا “تثير غضبه” حتّى لا يفقأ عينيك. سبيلك للمواجهة، عندما تكون في الاعتقال، هو السخرية، هو أحيانًا توهّم أنّك تواجه الظلم.
لكنّ التجربة الأهمّ تكون بعد الاعتقال، هي عندما تدرك أهميَّة الحريَّة، أهميَّة قيمة الذات. هي فِعْل المقاومة من أجل استعادة الحق. هي رؤية الامور من منظور مختلف. هي رحلة التطهّر والولادة من جديد. هي في تغيّر نظرتنا لكثير من المفاهيم من مثل البطولة: فمن كنّا نراهم أبطالًا صرنا نراهم ناسًا عاديّين لهم صغائرهم.
غير أنَّ ما لفت نظرنا هو أنَّ الساديَّة العربيَّة لافتة أكان في التجربة السوريَّة أو في التجربة الإسرائيليَّة حتّى. كأنَّه هناك شيء سيكولوجيّ مرتبط بعلاقة العربي بالتعذيب والاستبداد.
أمَّا العبرة الأهمّ، وهذا ما انتهى إليه النقاش العام، فهو أنَّ اللبنانيّين اليوم، وإذا أرادوا الاعتبار من تجارب الاعتقال المختلفة للبنانيّين في السجون الإسرائيليَّة أو السوريَّة أو غيرها داخل أو خارج لبنان، لا حماية لهم إلَّا التمسّك بمشروع الدولة التي تعيدهم أسياد مصيرهم، وتحميهم وتضمن حريَّاتهم، ولا تتركهم تحت ربقة وهيمنة قوى خارجيَّة تتحكّم بحياتهم وموتهم ومستقبلهم وحقوقهم. فبغياب الدولة، يُشرّعون وطنهم لكلّ خارجي، لكلّ احتلال. وهذا الاحتلال أكان “عدائيًا” أو “أخويًّا” فهو لن يكون رحيمًا على اللبنانيّين، بل سيعاملهم وكأنَّهم لاشيء.