خلوة حزيران ٢٠٢٦

خلوة بولونيا
يومي الجمعة والسبت 26، 27 حزيران 2026
اجتمع أعضاء مجموعة عمل “أكاديميَّات وأكاديميّون من أجل لبنان” في خلوة جديدة يومَي الجمعة 26 والسبت 27 حزيران 2026 في أوتيل “بوا دو بولونيا” في بلدة غابة بولونيا المتنيَّة.
انقسمت الخلوة إلى قسمَين رئيسيَّين. تضمَّن الأول، في جلسته الأولى، التطرّق إلى الواقع الحالي في لبنان، والتحدّيات التي تواجه اللبنانيّين، ودور مجموعة عمل “أكاديميَّات وأكاديميّون من أجل لبنان” خلال هذه المرحلة. وتناولت الجلسة الثانية الوضع الجيوسياسي للبنان.
في الجلسة الأولى، كان هناك نقاش وتفكّر مشترك بين الأساتذة حول آخر المستجدات والتحدّيات في لبنان ودور مجموعة العمل خلال هذه الفترة. وفي محاولتهم تشخيص الحالة اللبنانيَّة اليوم، فقد ارتأى الأساتذة أنَّ هناك مسارات متعدّدة في عمليَّة التشخيص هذه: فهناك المستوى الجيوسياسي، بما يستتبعه من فهم لموقع لبنان الجغرافي، وأثره في تعامل اللبنانيّين مع الصراعات المحيطة، وارتباطهم بانتماءاتهم العابرة لحدود الوطن اللبناني. وهنا طرح الأساتذة عددًا من الأسئلة من مثل: هل التنوع اللبناني هو نقطة ضعف أم نقطة قوّة؟ كيف نوائم في منهجيَّتنا ومقاربتنا بين واقع الدولة اللبنانيَّة وواقع البنية المجتمعيَّة فيها؟ ما هو مدى اختلاف المناظير حول لبنان عند مختلف الفئات اللبنانيَّة؟ ما هي نظرتنا للهوية والدولة والتعدديَّة والكيان؟ هل الدولة في لبنان يمكنها أنْ تكون أيديولوجيَّة، أم يجب أنْ تكون دولة وظيفيَّة، ذات طابع عقلاني، قادرة على حسن إدارة التعدديَّة المجتمعيَّة؟ كلّ هذه الأسئلة تفترض أنْ يتمحور دور الأكاديميَّات والأكاديميّين اليوم حول الآتي: التفكّر بالدولة وماهيَّتها وفي مسائل الهوية والمواطنة؛ التواصل مع الدوائر المختلفة المؤثرة في الشأن العام، كما التواصل مع الرأي العام؛ بالإضافة إلى مشاركة خبرتنا، وتقديم النصيحة.
ثمّ تطرق الأساتذة إلى أهميَّة أنْ يبقى خطابهم حاضًا على احتضان كلّ فئات المجتمع اللبناني، حتى تلك المرتبطة ارتباطًا عضويًّا بسياسات وأيديولوجيَّات دينيَّة عابرة للحدود اللبنانيَّة. فهذا الاحتضان، أكان بشكل حوار وطني أو إيجاد قواسم مشترك أو خروج من أفكار المظلوميَّة والخوف والتهميش وتعزيز ثقافة قبول الآخر، من شأنه أنْ يقلّل من أخطار المشاريع الخارجيَّة على لبنان من أنى أتت.
في الجلسة الثانية من القسم الأوَّل تشرّفنا باستضافة الدكتور شاهين غيث، عميد Experiential College في جامعة أبو ظبي، حيث ناقشنا معه واقع لبنان اليوم في ظلّ التغيّرات الجيوسياسيَّة في محيطه القريب والعالم، وإمكان إعادة إحياء مشروع الدولة اللبنانيَّة واستعادة سيادتها الكاملة ضمن نظام لتقاسم السلطة (Power Sharing) يتناسب مع طبيعة المجتمعات التعدديَّة، كما هي الحال في لبنان، بما يعزّز ولاء اللبنانيّين لدولتهم، لا لقوى إقليميَّة تسعى إلى إحياء مشاريعها الإمبراطوريَّة على حساب الدول الصغيرة.
في تفاصيل هذا النقاش، عرض الدكتور غيث في البداية لتعريف عام حول الجيوبوليتيك (أو الجيوسياسي) الذي يقوم على الموقع والموارد الموجودة في هذا الموقع (بما يعنيه هذا الأمر من حاجة الآخرين لمواردنا، وحاجاتنا لموارد الآخرين). يضاف إلى هذا التعريف، أهميَّة موقع لبنان الجغرافي حيث أنَّ لبنان يقع في نصف الطريق بين تركيا ومصر، بما هما من مركزان فاعلان في التاريخ، وبين الغرب والشرق. إنَّ موقع لبنان هذا لديه الكثير من الحسنات والكثير أيضًا من التحديات. هنا تأتي أهميَّة إدارة هذه التحديات بحيث يمكّن اللبنانيين من الاستفادة من حسنات موقعهم الجغرافي ومن جماليات لبنان الطبيعيَّة والبيئيَّة.
هناك عامل آخر يجب أخذه بعين الاعتبار، وهي بُنية الشعب التعدديَّة. فالمجتمع اللبناني هو جماعات متنوعة، وعمليَّة إدارة هذه التعدديَّة إنّما تفرض نفسها على طبيعة النظام السياسي الموجود. فالمجتمعات التعدديَّة من مثل الشعب اللبناني إنّما تُحكم بواحدة من هذه الطرق الأربع: إمَّا تكون ديكتاتوريَّة، إما تقوم جماعة من هذه الجماعات بالقضاء على الجماعات الأخرى (الإبادة)، إمّا يكون تقسيم للإقليم بحيث تقوم كلّ جماعة بحُكم نفسها بنفسها، وإمّا يكون هناك نظام التشارك في السلطة (power-sharing). هذا الشكل الأخير من أشكال الحكم هو الأشرف والأنبل، بالنسبة للدكتور غيث، ولكنّه يتطلّب أناس وقادة هم على مستوى هذه الإدارة، قادة قادرون على أنْ يخدموا الخير العام والمصلحة المشتركة، لا مصالحهم الخاصَّة.
ثمّ تطرّق الدكتور غيث لحالة لبنان اليوم في العالم واصفًا إيَّاه بأنه تحوّل من دولة إلى ساحة مفتوحة لصراع الدول الإقليميَّة والعالميَّة. فصار لبنان ساحة للإرهاب، حيث يتمّ استخدام هذا الإرهاب من بعض القوى من أجل الحصول على مبتغاها على مستوى الإقليم والعالم. فالتعدديَّة اللبنانيَّة، وبسبب سوء إدارتها من قبل الزعماء، ساهمت في تحويل لبنان إلى ساحة حيث تُدار الصراعات والحروب والرسائل المتبادلة بين القوى الخارجيَّة. من هنا نرانا نجد أنفسنا تارة من ناحية العرب، وتارة من ناحية إيران، وطورًا من ناحية تركيا.
واعتبر الدكتور غيث أنَّ التحوّل الكبير في المنطقة وفي لبنان كان في انتصار الثورة الإسلامية في إيران على نظام الشاه، وهو التحوّل الذي تعزّز مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث بات هذا البلد عقدة ترابط في الصراع بين القوى الإقليميَّة. يضاف إلى هذا الصراع، الخلاف الأميركي-الإسرائيلي في 1982 – 1983 حول مشاريع كلّ منهما للبنان. فإسرائيل تريد القضاء على الفلسطينيّين في لبنان، بما يستتبعه من إرساء سلام دائم معه، وضرْب سوريا فيه، والقضاء على مشروع الدولة الفلسطينيَّة. أمَّا الولايات المتحدة الأميركيَّة، فهي كانت تريد تنفيذ مشروعها القاضي بانسحاب كلّ من إسرائيل وسوريا من لبنان على السواء. فكان الخلاف بينهما. ثم كان العام 1983 حيث دخل الإيرانيّون إلى لبنان على الخط، بما استتبعه من تفجير لمقرَّات المارينز والقوات الفرنسيَّة في لبنان وإقناع الرئيس ريغن بالانسحاب من مشروعه الإنقاذي للبنان. وهنا لا يجب أنْ ننسَ خطاب رفسنجاني في البرلمان الإيراني حيث أعلن أنَّ محاربة أميركا هو أمر ممكن، وأنَّ الولايات المتحدة الأميركية ليست إلَّا نمرًا من ورق. تحوّل لبنان بعد العام 1983 ساحة للتدخّل السوري-الإيراني. ثمّ كانت نقطة التحوّل الثانية، وهي حرب الخليج الأولى سنة 1991، حيث قبضت سوريا ثمن مشاركتها في الحلف الدولي ضد العراق؛ والثمن كان وضعَ لبنان تحت وصايتها، وتطبيق اتفاق الطائف وفق تصورها، بخلاف الإرادة العربية الشاملة، بعد أن كان قد تمّ تصوّره في البداية، بزخم عربي، ليكون تجديدًا للتجربة اللبنانيَّة في التشارك في السلطة وإدارة التعدديَّة.
جاء العام 2003 مع تغيير النظام في العراق، وهو الأمر الذي فتح الطريق لإيران للوصول إلى البحر المتوسط. انكسر مُذذاك توازن القوى بين العرب والإيرانيّين، وانسحب الأميركيّون من لعب دور التوازن بينهم. استُتبع الأمر باستثمار إيراني كبير في لبنان من خلال دعم حزب الله كلاعب غير دولتي استطاع أنْ يمد أثره إلى ما بعد الحدود اللبنانيَّة وصولًا إلى إفريقيا وأميركا اللاتينيَّة، بحيث تحوّل حزب الله جزءًا من شبكة عالميَّة هائلة تديرها إيران. بكلام آخر، أصبح حزب الله الأداة التوسعيَّة لإيران. وبما أنَّ الثورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة ترفض النظام الدولي، صار هدفها بناء نظام خاصّ بها يقوم على محوريَّة الإمبراطوريَّة الإيرانيَّة ذات الطابع الديني. في هذا المسار، صار حزب الله رأس الحربة لهذا المشروع الإمبراطوري الإيراني على مستوى العالم.
نقطة تحوّل أخرى كانت العام 2015 مع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، وهو الأمر الذي عزّز حضور إيران في منطقة الشرق الأوسط. وكان توجّه أوباما الإقرار بالنفوذ الإيراني، وإعطاء غطاء لحضور وفعاليَّة الدور الإيراني في الشرق الأوسط.
مع وصول ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، كان تحوّل جديد وجذري، وظهرت فكرة Role Iran back والتي تقضي بمنع إيران من أنْ تكون إمبراطوريَّة واسعة النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، فكانت العقوبات، وكان ضرب حزب الله. طبعًا، إسرائيل كانت من المرحّبين بتحجيم الدور الإيراني في المنطقة، وقد التقت الإرادتان الأميركيَّة والإسرائيليَّة مع الإرادة العربيَّة لقطع الطريق على الإمبراطورية الإيرانيَّة
إنَّ ما يحصل اليوم، وأهميته بالنسبة للبنان، هو كيف يستطيع لبنان الاستفادة من هذه اللحظة لإخراج نفسه من حالة الساحة، واستعادة حالة الدولة. فلبنان اليوم بين خيارين، إمَّا حالة الدولة، وإما البقاء ضمن التجاذب الإقليمي ما بين إيران وتركيا والعرب وإسرائيل. من هنا، فإنَّ المطلوب اليوم، قيادات مميّزة ولديها قدرات مهمّة لإدارة المرحلة واستعادة حالة الدولة صاحبة السيادة الكاملة على أرضها وقرارها.
ثمّ كان نقاش عام رأى في الحالة الإيرانيَّة جزءًا من أزمة علاقة العالم الإسلامي مع الغرب، بما يستتبعه من تأثّر الأقليَّات بهذا الصراع. يضاف إليه صعوبة الذهاب باتجاه نماذج قائمة على مفاهيم الدولة والحداثة والديمقراطيَّة في وقت تبدو فيه شعوب العالم الإسلامي غير قابلة وغير قادرة على قبول هذه المفاهيم.
كما تطرّق بعض الأساتذة إلى المشروع الإسرائيلي في تفتيت وتقسيم المنطقة (من مثل مشروع بن غوريون)، وقد تمّ التوضيح أنَّ هذا المشروع وخطته ليسا قابلين للتنفيذ
أمَّا على مستوى لبنان، فإنه اليوم بحاجة ليقول للعالم أنَّه غير قاصر، وأنَّه قادر على معالجة مشاكله من خلال الـpower-sharing، ومن خلال استعادة مشروع الدولة المستقلة التي تُحسن إدارة تعدّديتها وتحسن أيضًا إدارة مواردها بحيث يكون لديها مصادرها لإنتاج الثروة. أمَّا غير ذلك، فإن الدولة القاصرة ستوضع تحت وصاية أحدهم. ودائمًا من يدفع الثمن الأغلى هو الذي يكون الأضعف. التحدي إذًا أمام الدولة اللبنانيَّة هو قدرتها اليوم على ممارسة سيادتها، وأن يكون انتماء أبنائها لها وحدها لا لقوى إقليميَّة محيطة. هذا الأمر إذا حصل، بقيادة نُخب مؤهّلة ومسؤولة وقادرة، يمكنه أنْ يمنح لبنان الاستقرار، وبالتالي يفتح المجال أمام اقتصاد منتج ومزدهر.
أما القسم الثاني من الخلوة، فقد وضع فيه الأساتذة اللمسات الأخيرة، شكلًا ومضمونًا، على تنظيم المؤتمر السنوي الثاني للمجموعة، المزمع عقده في 30 تشرين الأول 2026. ومن المقرر الانتهاء من إعداد البرنامج النهائي للمؤتمر خلال شهر تموز، على أن يبدأ الفريق التنفيذي في الهيئة اللبنانية للتاريخ التحضيرات اللوجستية.
كما اطّلع الأساتذة على النسخة النهائية من موقع “معجم المفاهيم السياسية” (Lebanese Lexicon)، وناقشوا تفاصيل حفل إطلاقه، المقرر إقامته في الأول أو الخامس عشر من أيلول 2026.
وبالإضافة إلى هذين الحدثين المهمين، اطّلع الأساتذة على تفاصيل تنظيم “يوم التفكير المشترك مع أساتذة من سويسرا”، المزمع عقده في 25 أيلول 2026، وقد طرحوا عددًا من النقاط التي تمنّوا أن تتضمنها مداخلات الأساتذة السويسريين.