في “الهويَّة اللبنانيَّة” وبناء فهم مشترك حولها

لأهميَّة الموضوع ومحوريّته، تمّ تخصيص جلسات ثلاث من أجل استعادة النقاش في مسألة الهويَّة اللبنانيَّة وإضافة بعض العناصر على هذا النقاش بغية محاولة الوصول إلى فهم مشترك لمسألة الهويَّة اللبنانيَّة يكون نموذجًا في كيفيَّة صياغة خلاصات مشتركة تشكّل أرضيَّة لعمل مشترك في المستقبل ولصياغة خطة عمل لتحويل هذه الخلاصة وهذا الفهم المشترك من الحالة النظرية إلى خريطة طريق عمليَّة.
وعليه، قام الدكتور أمين الياس باستعادة خلاصة النقاش حول الهويَّة الذي جرى في المرحلة الأولى بـ11 نقطة أساسية كالآتي:
- إن المجتمع اللبناني هو مجتمع مركّب.
- إن عناصر التركيب هي الآتية: جماعات طائفيَّة تشكّل مجموعات تاريخيَّة وثقافيَّة.
- كلّ من هذه الجماعات تقدّم للفرد المنتمي إليها “إطارًا تعريفيًّا عن ذاته”. من هنا نشأة الهويَّات الذاتيَّة المنبثقة من المجموعات الطائفيَّة.
- من الضروري اعتماد النموذج الجدلي في النظر إلى مسألة العلاقات بين الهويَّات الذاتيَّة والهويَّة اللبنانيَّة الجامعة.
- هناك علاقات تربط بين هذه الجماعات قد تكون سلميَّة أحيانًا وصداميَّة أحيانًا أخرى.
- إن هذه العلاقات تخلق شيئًا من الهويَّة المشتركة (الجامعة) تنبثق مما يُعرف بـ”الجوّ اللبناني”، القائم على فكرة العيش معًا.
- هناك شكل من أشكال الهويَّة الجامعة التي تحتضن “الهويّات الذاتيَّة” (أو التي يشير إليها البعض بمصطلح “الهويّات العميقة”).
- إذن تتشكّل الهويَّة اللبنانيَّة الجامعة من هويّات متعدّدة عميقة طائفيَّة جماعاتيَّة.
- تعبّر هذه الهويَّة وتخلق في الآن عينه عالمًا مشتركًا بين أفراد الجماعات الذاتيَّة الموجودة في لبنان.
- ترتبط هذه الهويَّة اللبنانيَّة الجامعة بالجغرافية اللبنانية (دولة لبنان الكبير) المعطوفة على إرادة العيش معًا والثقافة المشتركة التي تُبنى بشكل غير مباشر أو مباشر وفق دينامية المعيش اليومي.
- إن اعترافنا بهذا الشكل من الهويَّة التعدديَّة المركّبة يؤهّل هذه الهويَّة لأن تكون منفتحة على “عروبة ثقافيَّة” تكون عاملًا مساعدًا على تعزيز منعة الهويَّة اللبنانيَّة من ناحية، وعلى الانفتاح على مجتمعات ودول الفضاء العربي بكلّ تنوّعاته من ناحية أخرى. وهذا تمامًا يمكن أن ينطبق على “الفكرة المتوسطيَّة” والتعاون والانفتاح على مجتمعات ودول البحر المتوسّط.
- إن هذا المفهوم للهويَّة اللبنانيَّة إنّما هو مفهوم ديناميكي وبنائي.
- إن هذه الهويَّة اللبنانيَّة التعدديَّة المركّبة تصالح داخل كل إنسان لبناني ما بين هويّاته المختلفة والمتعدّدة والمتطوّرة والمتغيّرة من مثل الانتماء المناطقي والعائلي والحزبي والعقائدي والاجتماعي وغيرها من العوامل.
- إنّ هذه الهويَّة اللبنانيَّة التعدديَّة المركّبة إنّما تشكّل المدخل الأسلم لبناء دولة ترعى هذه التعدديَّة، بما ينقل هذه الهويَّة من حالتها الثقافيَّة والعاطفيَّة إلى مرحلتها العقلانيَّة التي تؤدّي لبناء الدولة التي هي التعبير القانوني والدستوري عنها.
ومن الجدير ذكره، أنّ هذه النقاط إنّما خرجت من نقاش حول الهويَّة جرى في تشرين الثاني من السنة الفائتة (إبان المرحلة الأولى 2021)، وكان كلّ من الأساتذة جورج شرف وحسن قبيسي وباسم الراعي قد قدمّوا أوراقًا ذات أبعاد فلسفيَّة وسياسيَّة وتاريخيَّة.
أمَّا إعادة تحفيز النقاش فقد تمّ بعد مداخلات من الأساتذة محمد شيّا وليليان زيدان ووسام لحّام، والتي عكست ثلاثة مناظير: اجتماعيَّة وتاريخيَّة وقانونيّة دستوريَّة. ليتبعها أيضًا نقاش غنّي وعميق استمرّ طيلة النهار الأول من الخلوة وامتد إلى صبحيَّة اليوم الثاني. وقد خرج الأساتذة بنقاط أخرى اتفقوا عليها كأركان للهويَّة اللبنانيَّة وهي كما لخّصها الدكتور الياس كالآتي:
- أهميَّة النظرة التفاؤليَّة للهويَّة اللبنانيَّة.
- استثمار العامل الكوني (اليونيفارسالي) عندّ كلّ من الجماعات الذاتيَّة لتعزيز المشتركات المكوّنة للهويَّة اللبنانيَّة الجامعة.
- أهميَّة المراجعة النقديَّة للمخزون الديني باتجاه بناء “الأنا الحرّ”، وتلك سيرورة ذاتية تكون مترافقة أيًا مع دينامية نقديَّة تقوم بها “النحن” من خلال النخبة.
- الهويَّة التي تستيقظ عادة ما تكون تشعر بالتهديد. وهي تصل لهذه الدرجة لشعورها بعدم القدرة على التغيّر والتحوّل والتطوّر من ناحية، ولأن أحد آخر يعمد على استفزازها وتهديدها.
- الهويَّة التعدديَّة المركّبة إنّما هي تلك القادرة على تجاوز كلّ شكل من أشكال التهديد والتشكيك والتفكيك.
- الهويَّة بشكل عام هي حاجة لكلّ إنسان.
- أهميَّة بالبناء الإرادي لـ”قاعدة ثقافية” للهويَّة. قاعدة ثقافية تكون مشتركة بين كلّ أيديولوجيات الجماعات الطائفيَّة. أي تأخذ العامل الكوني من كّل منها. قاعدة ثقافيَّة تقوم على أساس ومبدأ حقوق الإنسان. وتشكّل بالتالي الجذع الثقافي المشترك للهويَّة ولبناء الدولة أيضًا. لكن يجب أن لا نغفل عن التحدي المتمثّل برفض أي من الأطراف مبدأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
- يستتبع هذا الأمر، أي بناء القاعدة الثقافية المشتركة، الاتفاق على مدوّنة سلوك مشترك فيما بين اللبنانيين (Code of Conduct).
- التشديد على أهميَّة صفة “التعدديَّة” (pluralism) للهويَّة اللبنانيَّة بما تعنيه من رغبة وإرادة للعمل والعيش معًا على أساس العدالة والحريَّة والعدالة.
- إن هذه الهويَّة التعدديّة المركّبة إنما تكون قادرة على معالجة مسألة الخوف عند اللبنانييّن من بعضهم البعض، ومن محاولة أن يقوم طرف منهم بمحاولة فرض هويته على الطرف الآخر. وبالتالي هي دعوة لكلّ لبناني، مهما اختلف انتماءه الجماعتي، للاعتراف باللبناني الآخر وبحريته.
- لماذا رغم كلّ شيء لم ينته ولم يختف لبنان:
- هناك شيء من الإصرار على الوحدة رغم كل النزعات التفكيكية.
- هناك قابلية دائمة وتلقائية للقاء والحوار.
- هناك شكل من أشكال ثقافة الحوار المترسّخة في لبنان.
- الهويَّة اللبنانيَّة هي “رباط اللارباط”. ذلك أنها تقوم على المعيش اللبناني اليومي، بما يعنيه هذا المعيش من روابط اجتماعية وعائلية، وبما يعنيه من اختبار وتعبير عن هذه الروابط.
- على اللبنانيين أن يخرجوا من فكرة استثنائية الحالة اللبنانية، على نموذجيتها. ذلك أن لبنان ليس البلد التي يحتوي تنوّعًا في العالم. مع أهمية الإدراك أن التنوّع في لبنان يقوم على شيء من التوازن في موازين القوى.
- على اللبنانيين أيضًا أن يخرجوا من عقدة النقص المتمثلة بفكرة أن لبنان هو صنيعة الخارج وصنيعة الاستعمار. إن لبنان هو صنيعة إرادة داخليَّة لبنانيَّة.
- الهويَّة اللبنانيَّة إنّما تتميّز بتراث مديد من الحريَّة.
- الهويَّة اللبنانيَّة هي التعبير عن المشروع اللبناني القائم على العقلنة والتحديث والتنوير.
- الهويَّة اللبنانيَّة تعززها لغة مشتركة.
- الهويَّة اللبنانيَّة يعززها اقتصاد منتج قائم على الازدهار والبحبوحة والعدالة في توزيع الثروة.